اسماعيل بن محمد القونوي

416

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

مذبوحة دون غيرها من البهائم هو أنهم قبل ذلك كانوا يعبدون العجل ثم تابوا وعادوا إلى عبادة اللّه تعالى فأراد اللّه تعالى أن يمتحنهم بذبح ما حبب إليهم ليظهر حقيقة التوبة قوله الآتي ( من التقرب وأداء الواجب ونفع اليتيم ) إشارة إلى وجه اختيار البقرة وأيضا يظهر وجه اختيار البقرة الموصوفة بتلك الصفة العجيبة فإنها ما وجدت إلا في اليتيم ولعل الوجه الظاهر في اختيار البقرة التنبيه على خطئهم والتذكير لهم بأن ما عبدوه من جنس المذبوحة المقهورة كي يشكرون أكمل شكر على قبول توبتهم والعود إلى عبادة خالقهم لما فيه أي لأجل حكمة وعلة كائنة في ذلك الشرط من التقرب إلى اللّه تعالى بالقربان وأداء الواجب وهو الذبح إشارة إلى أن الأمر للتكليف وللوجوب لا للتكوين كما فهم من كلام البعض . قوله : ( والتنبيه على بركة التوكل ) من أبيه كما مرّ وبركته ظاهرة حيث اشتروا بملء جلدها ذهبا ما اشترى حينئذ بثلاثة دنانير وكذا فيه التنبيه على بركة بر الوالدين ( والشفقة على الأولاد وإن من حق الطالب أن يقدم قربة والمتقرب أن يتحرى الأحسن ويغالي بثمنه ) . قوله : ( كما روي عن عمر رضي اللّه عنه أنه ضحى بنجيبة ) هي الجيدة من الإبل قيل وقصته مذكورة في سنن أبي داود ( اشتراها بثلاثمائة دينار وأن المؤثر في الحقيقة هو اللّه تعالى ) . قوله : ( والأسباب أمارات ) أراد أن المؤثر في الحقيقة في وجود الأشياء هو اللّه تعالى والأسباب حين تحققت أمارات أي علامة لخلق اللّه تعالى المسببات بناء على جري العادة على ربط المسببات بالأسباب وأما ههنا فلا سبب لأن مس عضو ميت بآخر مثله كيف يكون سببا عاديا للحياة بين الموتتين فيكون من قبيل خرق العادة فمراد المصنف الاستدلال بمثل هذا على أن الأسباب ( لا أثر لها ) لا أن ههنا سببا عاديا لا أثر له ويؤيد ما ذكرنا قوله تعالى : كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى [ البقرة : 73 ] . قوله : ( وإن من أراد أن يعرف أعدى عدوه الساعي في اماتته الموت الحقيقي ) عطف قوله : والشفقة يجوز أن تكون عطفا على التوكل إشعارا بأن الشفقة على الأولاد تجلب البركة والسعة في الرزق والراحمون يرحمهم الرحمن وأن يكون عطفا على البركة فيكون المراد التخصيص على الشفقة على الأولاد وعلى التقرب فيكون من جملة علل الاشتراط بالشرط . قوله : وإن من أراد أن يعرف أعدى عدوه الخ فعلى هذا تكون قصة البقرة من باب التمثيل المبني على تشبيه المركب بالمركب المتضمن لتشبيه كل من مفردات طرفي التشبيه بآخر من مفردات الطرف الآخر فقوله حين زال عنها سره الصبي أي شدة الحرص على الشهوات زمان الصبي ولم يلحقها ضعف الكبر ناظر إلى قوله عز وجل : لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ [ البقرة : 68 ] وقوله وكانت معجبة إلى قوله فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ وقوله غير مذللة في طلب الدنيا إلى قوله : لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ [ البقرة : 71 ] وقوله : ( لا سمة فيها ) إلى قوله : لا شِيَةَ فِيها [ البقرة : 71 ] وقوله : بحيث يصل أثره إلى نفسه فيحيي بها إلى قوله : اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى [ البقرة : 73 ] وقوله يعرب عما به ينكشف الحال إلى قوله : وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ [ البقرة : 72 ] .